من الغريب أن أبتسم و أضحك و بداخلي وطنٌ
يبكي ,
و قد زِدتُها غرابة و أنا أدعي البرود و بداخلي
نبضت أسطورة التنين ينفث ناراً ,
على جرف قلعة صماء في أعلى جبل أحدب تتراقص
نفسي مع الرياح جيئاً و اياباً ,
و تحتي الشعوب نَفرت و أجمعت و صاحت و نادت و
حيَتني و أكثرت من احيائي حتى ظننتُ بنفسي الخلود
و غَفِلت عن مقبرةٌ في نفسي كُتِبَ على
شاهدها أسماءُ قومي . . . و مازالت تُبجلني ,
صمٌ
بكمٌ عميٌ فهم لا يفقهون ذلك ما حدثت نفسي.
أوسمتُ نفسي بالذهب و البرَاق من كل ثوب و
زينت حياتي و رسمتها و أرسلت الورود و رسوماتي لعالم أجوف
فَزُينَ لهم قبيح عملي و ظَنوا أني خُلِقتُ
من أجل شعبي .
وانا الذي ارتاع على قِسمة ذاك و أجرِ ذاك ,امشي لآكل و اترك ورائي الجياع . . . يهتوفون
و يهتفون لحياتي . . .
ويُسَمِنوني من قُوتِهم كالبعير . . . حتى
تغيرت احجام أبواب قصري ; مُراعاة لحجمي . . . و مقداري بين
شعبي ,
و كَتبت بيد الجهل و أنا الأُميُ . . . قصصَ
نصري . . .و كيف لي مقاومة الوحش و جيش عتى و أفسد ,و ما فُنيَ الا بأمري .
حتى أمسيتُ بالأحلام ضيفٌ , و جُسِدتُ في
البيوت صور .
فما من خير الا بفضلي ... من مطر و نهر و أرض
ذو حرث و نسل الدواب حتى وصل فضلي ما بين الزوج و امرأته ,
فما من صبي و لا بنت الا بفضلي ... و رعايتي
و حكمة أمري ,
و انا الغافل في قصري خلف ستار العهر أداري
عشيقاتي ,
نتراقص على أوجاع المساكين من قومي . . ما
زالو على أبواب قصري . .
"هل يأنون ؟!!" أصلحت من جلستي و
انا أسأل أحد خدمي . .
نفى و تململ و قال "عفوك مولاي انهم
يهتفون" . .
فارتحت و اتكآت و رجعت أغوص في أحضان عهري .
ليست كما ظننتم . . . لا!!!
فان نفسي أموَتُ من أن تستيقظ على آنين بغالِ
,
و لكن خِفت على ساقطاتي أن يفزعن و أمسي ليلي
وحيداً و انا الذي لم اعتد يوماً على الظلمة ,
فنمت قرير العين مرتاح البال حتى شق نور
الصبح سكون نومي .
لاستيقظ و بتكاسل أنهض على أن أرى أمور الناس
على عتبة قصري .
حتى أطغى و ازيد من قَهرهم و أدوس بقدمي على
أخر أماني صبياني . . .
جِبت البلاد عمراً و لم أترك من شيئاً الا
ملكته . . .
مرت السنين علي مسرعة و على غيري علَمتِهم
مشيَ الهوينة . .
جلست على عرش من ذهب و حولي تماثيلي و ما
أضيق صالتي رغم وسعها بهم . . .
و ما هم بأنفع من احدى تماثيلي الا أن ربنا الله
هم يتحركون و تماثيلي فلا . . .
عسى أن يحركهم الله بقدرته يوماً. . . ذلك ما
خال بصدري و انا أناظرهم على قمة منصة ِ . . .
"وزرائي الأحباء" . . .يطلون كحجر
النرد ألقيه متى شئت و ما أزال ألقيه حتى ياتيني بعدد أرضاه لأمري . .
و لا حاجة لي فيهم انما للصور و التذكارات
أبقيهم . . .
وقفوا كالتلاميذ مطأطؤن الرؤوس . . .هل هو
الإجلال لشخصي أم انهم اقترفوا شنيع العملِ . .
فمن كثرة طأطأة رؤوسهم لم أعد أدرك ما وراء
أمرهم . . .
"حدثوني ما بالكم"
"مولاي" . . . بصوت مرتعد قال كبيرهم هذا . . .
"ان هناك من في الناس من يتمرد"
"اذن اجلبوه و اقتلوه"
"ولكن يا مولاي ان عددهم كثير . . . يقارب
الشعب أجمع"
أصلحت من اتكائي و تغيرت ملامح وجهي . .
" و ماذا يبغون؟!! . . . ألم يعيشوا كل تلك السنين بأمري . . .ألم أطعمهم؟!؟!
"يبغون . . الحرية . . .كما يقولون يا
مولاي"
"الحريــــة !!!. . . أجلبوها لي لأحكم
فيكم و أريكم من أنسب اليكم أنا أم هي"
طأطؤوا الرؤوس أكثر . . . ويحهم كيف يجيدون
الانحناء . . .
"أمراً و طاعة"
فأملت رأسي و اتكآت و ضحكت ضحكة خافتة و
مستهزءاً قلت : "ها الحرية!" . . .و غفوت
فإذ بضجة على باب بلاطي . . ."ماذا
هناك؟!"
"مولاي لقد جلبناها لتمثل تحت قدميك . .
. الحرية" , و هو فرحاً قالها كبير
حاشيتي
"أدخلوها . . . لأحكم فيها بعدلي"
حتى أنا بقرارة نفسي شعرت بأن العدل و أنا لا
نحبذ الاجتماع بجملة صحيحة . .
أزحت عن نفسي غمة التفكير و أبدلت ملامحي
بملامح المنتصر و انتظرت لأرى سجينتي . .
"افتحوا الأبواب" صاح أحد حرسي
دخلت و ليتها لم تدخل . . .قشعريرة في نفسي
لم أذقها من قبل . . .و هيبة أدركت لو
ملكتها لملكت العالم أجمع . .
و قد استحوذت من الجمال ما لم تستحوذه امرأة
من قبلها . . . لولا ان الملائكة ذكور لقلت انها واحدة منهم . . .
انما هي هبة من قدرة فاقت قدراتي . .
فزحت عني علامات استغرابي و دهشتي كيف لقومي
أن يفتنوا بشيء دون اذني
وقفت شامخة على عتبة عرشي . . .ويلاه من فينا
السيد و من فينا العبد . .
استجمعت بقايا عزة اثمي و استدركت أمري
" كيف لكِ أن تتحدي عرشي؟!"
أجابت بصوتٍ وتري رنان : "عفوك انما انا
لست من يتحداك . . بل شعبك ها هو ذا"
"ويحك أتكذبين و أنت في حضرة ملك"
قالها أحد وزرائي . .
"حاشى لله . . انما انا لا طاقة لي و لا
حول . . .و اني لشعور داخلي أولد مع كل نفس . . . فيستذكروني كلما مرَ عليهم نقيضِ
. . .الظلم . . . و ما انا الا نتاج أفعالك"
"كفى . . . لقد جادلتيني و أكثرتي جدالي
. . . فخذوها و أعدموها و علقوا رأسها على أسوار بلادي و لتكن عبرة لمن يعتبر"
فَأخذوها من أمامي و انا أناظرها لأرى ملامح
وجهها . . . تمنيت لو تغيرت أو صاحت لتنادي عطفي
انما شموخها زاد من شنيع عملي . . . يا
ويلاتاه ماذا اقترفت يداي . . .
وَيحَكُـم و أتصدقون ان ما زال بداخلي ضميراً
يؤنبني . . .
عاد كبير الحاشية مهرول . . . "ماذا بك
تهرول في بلاطي"
"مولاي . . .ان شعبك ما زال يتمرد"
"و ألم نقتل كبيرهم الذي علمهم
السحر"
"سيدي قد نَمت نُفوسِهم و تعلمت و ما
زالوا يوالوها في مماتها"
"اذن اعدم كل من يواليها و انهي الأمر .
. فان الضجيج حولي قد زاد و اني لم اعتد عليه"
غاب و قد طال الغياب . . .حتى استيقظت يوماً
و أنا مرتاح . . ."ياااه لم تقر عيني منذ فترة و لم أنم هكذا"
فقد اختفى الضجيج . . .فناديت على أحد خدمي .
. . حتى مَثِلَ أمامي . .
"حدثني عما حل بقومي"
"مولاي . . أُبشرك بأنك انتصرت على شعبك..."
فارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة لم أعهدها من
قبل . . .
ابتسامة المنتصر الذي لم أستطع أن أظفر بها
من أعداء قومي و ظفرت بها من قومي . . .
"اذن فقد أعدمتم كل من نادى
بالحرية"
و بتردد قال "نعم . . و لكننا أبقينا
على القليل منهم"
فتسرب الغضب اليَ و صحت "لماذا لم تنهوا
عليهم؟!!!"
"مولاي لم يبقى من الشعب غيرهم فرأينا
أن نسألك في أمرهم"
"و ماذا يريدون و لم نعطهم اياه ؟!"
"يريدون . . . ما عاذَ الله . . .يريدون
أن تتنحى . . . سامحني مولاي لذكر الأمر. . . فاما أنت أو هم"
جلست و أنا أفكر . . . مواقف كهذه تطلب
الحكمة . . . و قلت بعد تفكير . . .
"أعدموهم"
"ولكن سيدي . . "
فقاطعته و قلت
"اعدموهم و اجلبوا لي قوم
غيرهم. . . عسى أن يبدلني الله قوم خيراً من قومي"
23\8\2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق