على حافة الوادي جلس يستجمع ما بقي من قواه , بثياب رثة , متهالكة متساقطة هي المعنويات , جالس و بداخله وطن يبكي , يناظر الشمس و قد استودعته و بدأت تلملم أشعتها لترى من الوجوه غيره , عاكسة أخر نتاجها على وجه , لتضفي لدمعة على خده لمعة اضافية , و تعطي منظره بئساً ذو بعد آخر .
كحديث دائر على طاولة مستديرة , و أطراف حديث تتجاذب , و فوضى تعم المكان , و نقاش العقم أبرز صفاته , و جدول اعمال و اجتماع يضفي الى اللاشيء , هذا كان ما يحدث بداخله , هذا ما كان يتعايش معه .
نهض و حمل من المآسي الكثير الباقي , سائراً بطريق و قد حاكت الظلمة و أخفت تحت خيوطها نهايته , و ضوء خافت يشتت ما استطاع من خيوط الظلمة , كان منظراً كصورة طبق الأصل عن حياته .
لم يعهد حياته بكافة صفحاتها بهذا المنظر , و لكن الحال تتغير على مر الأيام و تغير الظروف , فقد كان ذو صورة مناقضة , لم يولد و البؤس رفيقه , بل كان للسعادة بعض الكلمات في مسيرته .
فتستذكره بعض المشاهد , على مكتبه القديم جالس , يكتب ما آلت اليه الحياة من مناحي , بيده آخر قطرات حبره يكتب على رأس صفحة بيضاء , يحاول أن يفجر ما بداخله من مشاعر حبيسة أفضت به الى ما عليه من أحوال .
كتب بيد مرتجفة و قطرات تتساقط على ورقته , كتب و التردد يداعبه , كتب كلمة "وطن" , كخلاصة جامعة لفرحه سعادته حزنه آلمه و ما واجه من صعاب و ما يواجه , حتى الرفاق جُمعوا بكلمة "وطن" فمنهم من شق الطريق و منهم من غير الطريق لوطن آخر , منهم من برز و منهم من غرق بالمآسي .
وطن قد جمع تحت ظله خليط من الظلم و القليل من العدل , وطن و قد أنهكه ما آلت اليه أموره , و بعثرت أولوياته حتى انعكس ذلك و ارتسم على وجوه أبناءه .
فلكل نظرة لها مسببها , فبطلنا هنا كثير النظرات و الوجوه , و لكل وجه قصة , فنظرة الشحوب في وجه أقل الرسمات ممكن أن يعبر بها عما صادف من نكسات , و خطوط التجاعيد المزينة لوجه هي القليل الظاهر مما قدمه الوطن له , يجالس ما بداخله و خليله الشقاء , يبتسم بابتسامة صفراء .
ليعود تحت الضوء الخافت , في نفس زاوية الشارع المظلم , ليشق طريقه و يختفي في الظلام , و يترك حافة الوادي لمن بعده , فأمثاله الكثير , فلا داع لتشغلها كثيراً ان وصلت لها من بعده , فاعلم بانها متنفس و ليس النهاية , و لتكمل الطريق حتى و لو كان النور لا مكان له فيه .
7 / 3 / 0122
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق